نرجسية الأيديولوجيا وتآكل السيادة: حينما تبتلع الشعارات مفهوم الدولة

في الأعوام الأخيرة برزت على التواصل الاجتماعي ظاهرة مقاطع التحليل النفسي بشكل عام، ولكن هناك مصطلح أصبح من أكثر المصطلحات تداولاً في علم النفس الحديث وهو مصطلح “النرجسية” وهو يشير إلى اضطراب الشخصية الذي يتمحور حول تضخم الذات والحاجة الماسة لتقدير الآخرين. بعيداً عن مجرد “الغرور” العادي، الشخصية النرجسية هي نمط سلوكي معقد يؤثر بعمق على العلاقات الشخصية والمهنية. ومن أبرز صفات الشخصية النرجسية الشعور المبالغ فيه بالأهمية (تضخم الأنا) حيث يعتقد النرجسي أنه فريد من نوعه ولا يمكن فهمه إلا من قبل أشخاص “مميزين” أو من طبقة اجتماعية معينة. هو دائماً بطل القصة، وإنجازاته (حتى وإن كانت بسيطة) يراها استثنائية وتستحق التبجيل. كما أنه يفضل العيش في عالم من الخيالات وغالباً ما ينغمس النرجسي في أحلام اليقظة المتعلقة بالنجاح اللامحدود والقوة والتألق في كل ما يفعله والجمال الفائق والحب المثالي الذي لا يشوبه شائبة، ويفسر علماء النفس أن هذه الخيالات عادة تعمل كدرع يحميه من الشعور بالنقص الداخلي أو الفراغ. لديه دائما حاجة الماسة للاهتمام والإعجاب من قبل الآخرين، لنرجسي لا يكتفي بالثراء أو النجاح، بل يحتاج إلى “جمهور”. هو يتغذى على المديح، وإذا توقف الآخرون عن إظهار الإعجاب به، يشعر بالإهانة أو الغضب. بالإضافة إلى ذلك يعاني الشخص النرجسي من غياب التعاطف أي للامبالاة بمشاعر الآخرين وتعد هذه هي الصفة الأكثر خطورة؛ فالمؤشرات العاطفية للآخرين لا تعني له شيئاً. هو غير قادر على فهم احتياجات من حوله أو التألم لألمهم، وغالباً ما يرى الناس كأدوات لتحقيق مصالحه الخاصة فقط. ولا يجد النرجسي حرجاً في تسلق أكتاف الآخرين للوصول إلى أهدافه، علاقاته غالباً ما تكون نفعية؛ فهو يصادقك ما دمت مفيداً له، وينسحب أو يلقي باللوم عليك بمجرد انتهاء مصلحته. وال صفة الأخيرة هي الغطرسة والسلوك الاستعلائي حيث تظهر النرجسية في طريقة الحديث والمشي والتعامل مع من يعتبرهم “أدنى” منه. قد يتسم بالتعالي في المطاعم، أو مع الموظفين، أو حتى مع أفراد عائلته، ليوهم نفسه بأنه في قمة الهرم الاجتماعي.

تتشابه تلك المقدمة عن صفات الشخصية النرجسية بشكل كبير مع الأيديولوجيات الشمولية فعندما تتحول الأيديولوجيا من مجرد نظام فكري إلى أداة للهيمنة، فإنها تتبنى ذات الخصائص السلوكية التي نجدها في اضطراب الشخصية النرجسية. في المشهد السياسي المعاصر للشرق الأوسط، يبرز صراع وجودي ليس بين جيوش نظامية فحسب، بل بين مفهومين متناقضين للحكم: مفهوم “الدولة الوطنية” القائم على الحدود والسيادة والقانون الدولي والتنمية المستدامة، ومفهوم “الأيديولوجيا العابرة للحدود” الذي تتبناه تيارات الاسلام السياسي (بشقيه السني والشيعي) بدعم من تيارات قومية ويسارية تائهة. بالنسبة لحركات الإسلام السياسي، تُعتبر “الحدود الوطنية” عائقاً أمام مشروع “الأمة” أو “الولاية”. إيران، كنموذج رائد في هذا السياق، لم تخفِ يوماً رغبتها في تصدير الثورة، معتبرةً أن أمنها القومي يبدأ من عواصم عربية بعيدة. هذا الفكر لا يعترف بسيادة الدول التي تختلف معها، بل يرى في “تفتيت” هذه السيادة واجباً مقدساً تحت ذريعة “حماية المستضعفين” أو “محاربة الاستعمار” أو “تحرير الأقصى”. المفارقة تكمن في أن هذه الحركات تعطي لنفسها الحق المطلق في التدخل، القتل، وإفساد النسيج الاجتماعي للدول الأخرى، بدعوى أنها تحافظ على استقلال تلك الدول، بينما هي في الحقيقة تحولها إلى “ساحات بديلة” لتصفية الحسابات الإقليمية.

من أغرب الظواهر السياسية هي تلك الحشود من “المطبلين” من خلفيات قومية ويسارية. هؤلاء الذين كان من المفترض أن يكونوا حراس الدولة المدنية أو المدافعين عن السيادة الوطنية، انخرطوا في تسويق مشاريع دينية ثيوقراطية. لذلك نجد اليساري المتأثر بـما يسمى بمحور “الممانعة “يغفر للإسلام السياسي قمعه للحريات وتدميره لمفهوم الدولة الوطنية والتعدي على سيادة الدول طالما أنه يرفع شعار “العداء لأمريكا وإسرائيل”. في الكفة الأخرى نجد أن القومي “الشعبوي” يرى في القوة المسلحة خارج إطار الدولة نوعاً من “البطولة” التي تعوض نقص الانتصارات التاريخية، حتى لو كان ثمن ذلك هدم مؤسسات الدولة الوطنية وإثارة الفتن. نستطيع أن نستنتج أن هذا التحالف ليس مبنياً على مبادئ، بل على “نكاية سياسية” بالخصوم، مما جعل هذه التيارات مجرد غطاء أخلاقي لمشاريع تخريبية وهيمنة سياسية.

تتجلى قمة التناقض في العلاقة مع الولايات المتحدة والغرب. الخطاب المعلن هو كراهية مطلقة وإطلاق شعارات مثل “الموت لأمريكا”، وتخوين لكل من يتعامل مع ما يعتبرونها قوى “الاستعمار”. لكن، عند فحص الوقائع التاريخية، نجد أن هذه القوى هي أول من يلهث لفتح قنوات اتصال سرية مع واشنطن. رأينا ذلك في العراق، وفي تفاهمات الملف النووي، وفي محطات سياسية عديدة حيث يتم استدعاء “العدو” ليكون شريكاً في تقاسم النفوذ. هذا السلوك يثبت أن الشعارات ليست سوى أدوات للتعبئة الجماهيرية، بينما الحقيقة هي براغماتية مفرطة لا تقيم وزناً للأخلاق أو للسيادة الوطنية التي يتشدقون بها وهي حالة ازدواجية، وانفصام واضحة وساطعة.

لعل أبرز تلك الشعارات هو شعار “تحرير القدس” وتحت هذه الذريعة تم تدمير عواصم عربية تاريخية، وتحويل شعوب كاملة إلى لاجئين، وإغراق دول في ديون وتبعية مطلقة. الإسلام السياسي، بحلفائه من اليسار والقومية، لم يقدم نموذجاً واحداً لدولة ناجحة، بل قدم نماذج لـ “أشباه دول” تُدار من قبل ميليشيات لا تعترف بالقانون ولا تحترم السيادة ولا تحترم الجار. إن استقلال الدول ليس شعاراً يُرفع في الخطابات، بل هو ممارسة تبدأ باحترام الحدود والالتزام بالمواثيق الدولية. وما تفعله إيران وأذرعها، وما يباركه “المطبلون” لها، ليس سوى محاولة لعودة زمن الإمبراطوريات الثيوقراطية التي لا ترى في الإنسان سوى وقود لمشاريعها، وفي الدولة سوى ساحة لتجاربها. إن الطريق إلى الاستقلال الحقيقي يبدأ من طرد هذه الأيديولوجيات التي لا تؤمن بالأوطان بقدر ما تؤمن بالتبعية والولاء العابر للحدود. والسؤال الذي يطرح نفسه في ظل هذه الظروف، إلى متى يستمر غض الطرف عن الجرائم ضد الدول العربية وشعوبها تحت شعار المقاومة؟ وإلى متى سنسمح لبلادنا ومستقبلنا ومستقبل أجيالنا أن يكون رهينة لنرجسية الأيديولوجيا؟

أضف تعليق

موقع ويب تم إنشاؤه بواسطة ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

اكتشاف المزيد من Ahmed's Library

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

مواصلة القراءة